الجصاص

344

أحكام القرآن

يشتمل على أحكام : منها أنه ردده ثلاث مرات ثم لما أقر الرابعة سأل عن صحة عقله فقال : " هل به جنة ؟ " فقالوا : لا ، وإنه استنهكه أحمد ثم قال له : " لعلك لمست لعلك قبلت ؟ " فلما أبى إلا التصميم على الإقرار بصريح الزنا سأل عن إحصانه ، ثم لما هرب حين أدركته الحجارة قال : " هلا تركتموه ! " وفي ترديده ثلاث مرات ثم المسألة عن عقله بعد الرابعة دلالة على أن الحد لا يجب إلا بعد إقراره أربعا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد قد وجب " ، فلو كان الحد واجبا بإقراره مرة واحدة لسأل عنه في أول إقراره ، ومسألته جيرانه وأهله عن عقله يدل على أن على الإمام الاستثبات والاحتياط في الحد ومسألته عن الزنا كيف هو وما هو . وقوله : " لعلك لمست لعلك قبلت " يفيد حكمين ، أحدهما : أنه لا يقتصر على إقراره بالزنا دون استثباته في معنى الزنا حتى يبينه بصفة لا يختلف فيه أنه زنا ، وقوله : " لعلك لمست لعلك قبلت " تلقين له الرجوع عن الزنا وأنه إنما أراد اللمس ، كما روي أنه للسارق : " ما إخاله سرق " ، ونظيره ما روي عن عمر أنه جيء بامرأة حبلى بالموسم وهي تبكي ، فقالوا : زنت ، فقال عمر : ما يبكيك ؟ فإن المرأة ربما استكرهت على نفسها ! يلقنها ذلك ، فأخبرت أن رجلا ركبها وهي نائمة ، فقال عمر : لو قتلت هذه لخشيت أن تدخل ما بين هذين الأخشبين النار ! فخلى سبيلها . وروي أن عليا قال لشراحة حين أقرت عنده بالزنا : لعلك عصيت نفسك ؟ قالت : أتيت طائعة غير مكرهة ، فرجمها . وقوله صلى الله عليه وسلم : " هلا تركتموه " يدل على جواز رجوعه عن إقراره ، لأنه لما امتنع مما بذل نفسه له بديا قال : " هلا تركتموه " ، ولما لم يجلده دل على أن الرجم والجلد لا يجتمعان . قوله تعالى : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وروى ابن أبي نجيح عن جاهد قال : " الطائفة الرجل إلى الألف " وقرأ : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) [ الحجرات : 9 ] . وقال عطاء : " رجلان فصاعدا " . وقال الحسن وأبو بريدة : " الطائفة عشرة " . وقال محمد بن كعب القرظي في قوله : ( إن نعف عن طائفة منكم " [ التوبة : 66 ] قال : كان رجلا . وقال الزهري : ( وليشهد عذابهما طائفة ) " ثلاثة فصاعدا " . وقال قتادة : " ليكون عظة وعبرة لهم " . وحكي عن مالك والليث : " أربعة ، لأن الشهود أربعة " . قال أبو بكر : يشبه أن المعنى في حضور الطائفة ما قاله قتادة أنه عظة وعبرة لهم ، فيكون زجرا له عن العود إلى مثله وردعا لغيره عن إتيان مثله ، والأولى أن تكون الطائفة جماعة يستفيض الخبر بها ويشيع فيرتدع الناس عن مثله ، لأن الحدود موضوعة للزجر والردع ، وبالله التوفيق .